عبد الملك الجويني

91

الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد

يقدر انتفاؤها بانتفاء شرط لها . وباطل تقدير عدمها بطريان ضد ، فإنه ليس الضد الطارئ بنفي القدرة أولى من درء القدرة الضد ومنعها إياه من الطريان . ثم إذا تعاقب ضدان ، فالثاني يوجد في حال عدم الأول ، فإذا تحقق عدمه فلا حاجة إلى الضد ، وقد تصرم ما قبله . وباطل أن يقال تنتفي القدرة بانتفاء شرط لها فإن شرطها لا يخلو : إما أن يكون عرضا ، وإما أن يكون جوهرا ، فإن كان عرضا : فالكلام في بقائه وانتفائه كالكلام في القدرة ، وإن كان جوهرا فلا يتصور مع القول ببقاء الأعراض انتفاء الجواهر ، فإن سبيل انتفائها قطع الأعراض عنها فإذا قضى ببقاء الأعراض لم يتصور عدمها ؛ فإذا امتنع تقدير عدمها امتنع عدم الجواهر ، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في الصفات . ويبطل المصير إلى أن القدرة تعدم بإعدام اللّه إياها فإن الإعدام هو العدم ، والعدم نفي محض ؛ ويستحيل أن يكون المقدور نفيا ؛ إذ لا فرق بين أن يقال : لا مقدور للقدرة ، وبين أن يقال مقدورها منتف . فصل إذا ثبت استحالة بقاء القدرة الحادثة فإنها تفارق حدوث المقدور بها ، ولا تتقدم عليه ، ولو قدرنا سبق الاعتقاد إلى بقاء القدرة الحادثة لما استحال تقدمها على وقوع مقدورها ، ولذلك يجب القطع بتقدم القدرة الأزلية على وقوع المقدورات بها . فلما ثبت أن القدرة الحادثة لا تبقى ، ترتب على ذلك استحالة تقدمها على المقدور ، فإنها لو تقدمت عليه لوقع المقدور مع انتفاء القدرة ، وذلك مستحيل لما سنذكره إن شاء اللّه عز وجل . فصل الحادث في حال حدوثه مقدور بالقدرة القديمة ، وإن كان متعلقا للقدرة الحادثة فهو مقدور بها . وإذا بقي مقدور من مقدورات الباري تعالى ، وهو الجوهر ، لا يبقى غيره من الحوادث ، فلا يتصف في حال بقائه واستمرار وجوده بكونه مقدورا إجماعا . وذهبت المعتزلة إلى أن الحادث في حال حدوثه ، يستحيل أن يكون مقدورا للقديم والحادث ، وهو بمثابة الباقي المستمر ، وإنما تتعلق القدرة بالمقدور في حالة عدمه . وقالوا على طرد ذلك : يجب تقديم الاستطاعة على المقدور ، ويجوز مقارنة ذات القدرة حدوث المقدور من غير أن تكون متعلقة به حال وقوعه . والدليل على أن الحادث مقدور ، وأن الاستطاعة تقارن الفعل ، أن نقول : القدرة من الصفات